زاوية للرأي

أمل دنقل.. الشيطان الذي قال لا

لطالما وجد الشعر في منابع التاريخ رواء طيبا زلالا، وقفت أقلام الشعراء – بإسفاف أحيانا – عند واديه، و خضبت رؤوسها من مغدوقه، بل و شحذت أعسان أبياتها بنزر منه، هي أقلام كثيرة، بهنس رونقها في العصر الحديث ، و عرفت  – زورا  – بتيار تجديد الرؤيا، و إذا ما بحثنا بعمق عن أنموذج يمثل هذا النمط وجدنا مدونة ” دنقل ” الشعرية غنية غانية أرماء، ف ” أمل ” و على إمتداد حياته ” القصيرة نسبيا ” توسل بالوقائع التاريخية، و ألسن أبطالها، و أول أحداثها تأويلا ، و نسج بساطه الشعري و دقق طرزه بحرفية عالية، جعلت من تصفح أبياته – على غير المطلع – أمرا فظيعا، فيه لأي كثير و شقاء، و لعلنا نقف عند بعض النماذج من مدونته الشعرية، و نفرد لها شرحا كافيا،  لنقلص المسافة و الهوة بين التاريخ و الشعر .

 شكل الواقع المتأزم للأمة العربية أواسط القرن الماضي، غصة عميقة، وجرحا غائرا، في نفوس مثقفي هذه الأمة، من شعراء و كتاب، مما دفعهم دفعا إلى ممارسة إحتجاج راقي، كانت الكلمة سلاحهم فيه، و القلم ذخيرتهم، فحاكموا الأنظمة العربية ” المتخاذلة ” حسب وجهة نظرهم، و شنقوا سياساتها على منصة إبداعاتهم .

    لم يجد ” أمل ” في الواقع المعيش ما يسر قلمه الثائر، أو يصلح أن يتوسل به كتعبير عن حالة الخيبة التي سكنت وجدانه، و حطمت ما رافق إسمه ” أملا ” سياسيا ، فأصدر بعيد النكسة ( 1967) مباشرة ديوانه الأول الموسوم بحالة الحزن، والمطبوع  بالخيبة و الإنهزام، مستدعيا فيه شخصيات تراثية مطبوعة في الذاكرة الجمعية العربية، فقد سمى الديوان ( البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ) في إحالة على الواقعة التاريخية المشهورة بين الناس، و المعروفة بينهم، و التي درجت ألسن الرواة على سردها، و التأسف على مصير بطلتها، و زرقاء إمرأة نسبت إلى قبيلتها ( اليمامة )، اشتهرت بحدة بصرها، بل كانت تراقب منافذ قبيلتها و تحذرهم من كل طالعة، إلا أن استشعرت عصر أحد الايام أشجارا تتحرك ، فأخبرت من بالقبيلة برؤيتها الغريبة، لكن دون جدوى، فانطلت الخدعة على قومها، و دخل الغزاة متنكرين في صورة أشجار، فنكلوا بالقبيلة، و مثلوا بزرقاء، و ظلت هذه الواقعة مثار تناقل بين القبائل، قبل أن يتقمص       ” الجنوبي ” ( وهو لقب أمل دنقل ) دورها و كأنه يتوجس خطرا قادما .

 يستنطق ” دنقل ” زرقاء و يقسم عليها بأن تتكلم بحق الله يقول :

        أسأل يا زرقاءْ ..

عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء 

….

تكلَّمي أيتها النبية المقدسة

تكلمي .. باللهِ .. باللعنةِ .. بالشيطانْ

لا تغمضي عينيكِ

 يحاور ” دنقل ” ملكة زرقاء و يسائلها لعلها تخبره بما هو قادم، يستجدي منها إستشراف المستقبل و إن بمنطق مهزوز، فهو ينطلق من موقف ضعيف، و خلفية شاردة ، تائه القصد، شارد الطريق، ليس له إلا زرقاء تدله على ما هو آت.

يستند ” أمل ” على قاعدة تاريخية متينة، إستقرأ مضمونها بعمق، و استنفر ما في سليقته من مهارات شعرية، و ما في قريحته من تركيب لغوي عميق، و دقق نسجا غاية في الروعة ، يحاكي حالة زرقاء و يسقط واقعها الكئيب عليه حين يقول :

          قيل ليَ “اخرسْ ..”

فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان !

ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعان

أجتزُّ صوفَها ..

أردُّ نوقها ..

أنام في حظائر النسيان

طعاميَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة .

وها أنا في ساعة الطعانْ

ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ

دُعيت للميدان !

أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن.

 رام ” دنقل ” من خلال لغته الشعرية تصوير حالة الخذلان التي عاشها إلى جانب زمرة من متقفي زمنه، و انتفض صارخا أمام صمت آليات النظام، و سياسات الحكومة التي اختارت الصمت بدل الكلام، فوجد ” أمل ” نفسه ناطقا باسم الشعب، هو دور الشاعر في الأصل ألا وهو التعبير عن القضايا التي ترهق كاهل قبيلته .

لم يخلع شاعرنا جبة الوقائع التاريخية، بل و استند عليها مجددا عندما استعار رجز ” الزباء بنت عمرو ” ملكة الحيرة قبل الإسلام عندما رجح حدسها الأنثوي خطب الخدعة و الغذر بعد أن رأت النوق و الجمال القادمة إلى حصنها تقيلة المشي، بطيئة الخطو، بعد أن إدعى أصحابها أن محملة بمآرب أنثوية و عطور فاخرة، فجادت قريحتها شعرا :

     ما للجمال مشيها وئيدا

       أجندلا تحملن أم حديدا

ليظهر بعدها صدق حدسها لكن بعد فوات الآوان، فالجمال كانت تحمل بدل العطور سيوفا، فسقطت مملكة الزباء، و استسلمت هذه الأخيرة لأنفتها بعد أن أدركت أن موتها وشيكا فبلعت سما – عادة الملوك و القادة تاريخيا – كان مخفيا في خاتمها، وقالت لخصيمها محطمة طموحه بنيل مكرمة قتلها ، بيدي لا بيد عمرو، و التي صارت بعد ذلك مثلا عند العرب

 إستعار ” دنقل ” بوعي كبير هذا القول، ليعبر بجمال  عن ما يخالط مشاعره من حدس ينذر باقتراب حدوث خطب ما، و لعل سمة الشاعر النابغ الحدق  – إلى جانب التصوير الشعري و التكثيف الدلالي – إستشراف معالم المستقبل و مآلات الأمور ، وهذا ما حضر في شاعرنا، و لا يمكن الإنكار أن حدسه كان مصيبا، و يكفي أن نعلم ماذا حدث في عقد السبعينات.

لم يكتف دنقل عند هذا الحد بل إستزاد من مغدوق التاريخ و زبد بحره، و استقرأ الخطاب القرآني بعمق، و استحضر منقطه التأويلي، حينما زاوج بين قصة الخلق القرآنية ل ” آدم ” و مصير سبارتكوس قائد ثورة العبيد، في قصيدته الذائعة الصيت ” كلمات سبارتكوس الأخيرة ” يقول أمل :

المجد للشيطان معبود الرياح

مَن قال “لا” في وَجْه مَن قال “نعمْ”

مَن علَّم الإنسانَ تمزيقَ العدمْ

وقال “لا” فلم يمتْ وظلَّ روحًا أبديةَ الألمْ

إن المنطق الحجاجي هنا جاوز التأويل الموضوعي، إلى تأويل فلسفي، فكأن أمل تنبه للفكرة – التي أوردها الحلاج صاحب الطواسين سابقا – القائلة بأن الشيطان و إن خالف أمر الله بالسجود لآدم فهو لم يشرك به، فالسجود لغير الله – و إن كان بأمر من القادر – شرك نسبي، و الشيطان بوصفه الطاووس الملائكة، ربما ظن أنه في موضع اختبار من ربه، فعز عليه السجود لغيره .

 إن استحضار ” دنقل ” للشيطان في صورة – معبود الرياح – بوصفه رمزا للعصيان، و عدم الخضوع  للتوجه الرسمي، يوازي إحساس ” أمل ” الإنسان، و شعوره بلذة العصيان و شبق الانفلات من قوة التيار الجارف ” المطبل ”  لنظام السادات  في  مصر أنذاك، و يسقط واقعة الشيطان على واقعه، فهو الشيطان الذي رفض السجود و الخنوع لبوادر المصالحة مع إسرائيل و تطبيع العلاقات معها .

     استطاع الشيطان – أقصد أمل – أن يراقص المعاني الفلسفية في كل الأحداث التاريخية التى وظفها في مدونته الشعرية، بل و فرض عليها منطقا تأويليا عجيبا، تصلب من منطلقه – كشاعر – حق له أن يدلي برأيه في سيرورة الأحداث السياسية للدفاع عن ما بدى له صحيحا، و توشح بالتاريخ سيفا، و أحداثه قوسا، ليكتب بأسهم شعره شطرا مهما من المعارضة الشعرية الحديثة – بمفهومها السياسي – .

و على غرار ” كلمات سبارتكوس الأخيرة ” نجح ” أمل ” مرة أخرى في استنطاق شخصية تراثية أخرى، عرفت بالعصيان، فمن المعلوم بين الناس أن نوحا نبي الله كان له ابن عاص، لم يطع والده، و لم يركب معه السفينة إبان الطوفان، وهذا ما يسجد حالة – دنقل – السياسية بوصفه لم يختر على غرار ” أقرانه ” من الشعراء فكرة الخروج من الوطن للمنفى، بل صارع  موجة  التضييق السياسي و مرارة الديكتاتورية و حدة شوكتها من داخل الوطن، و هذا ما جعله في مواجهة مباشرة – و بصدر عار – مع السلطات المصرية في كثير من الأحيان، بل غيب و همش من طرفهم، فلم يسلط الإعلام أضوائه الناصعة عليه، و لم يعر أشعاره اهتماما، و أمام كل هذه المطبات، اختار ” أمل ” أن يقاوم من الداخل، و يصارع المد النظامي الغالب، و يقاوم بشراسة يقول في قصيدته ” مقابلة خاصة مع ابن نوح ” :

  جاء طوفانُ نوحْ!

المدينةُ تغْرقُ شيئاً.. فشيئاً

تفرُّ العصافيرُ,

والماءُ يعلو.

على دَرَجاتِ البيوتِ

 يرصد هذا المقطع الشعري – على بساطته –  عمق الأزمة البنيوية التي كان يعيشها المجتمع المصري أواسط القرن الماضي، في ظل ” هرولة ” أصحاب أهل الحل والعقد للتطبيع مع الكيان الصهيوني، بالتزامن مع انخفاض الإيمان بالمد القومي، و الثقافة ‘ الناصرية” التي وسمت المخيال الجمعي المصري في فترة زمنية سابقة لعهد ” السادات “، فجسد ” أمل ” و من معه تيار المقاومة الصامد يقول :

جاءَ طوفان نوحْ.

ها همُ الجُبناءُ يفرّون نحو السَّفينهْ.

بينما كُنتُ..

كانَ شبابُ المدينةْ

يلجمونَ جوادَ المياه الجَمُوحْ

ينقلونَ المِياهَ على الكَتفين.

    نصب ” دنقل ” نفسه مدافعا عن صمت المتخاذلين، دافعا جور القرارات السياسية عن مشهد الأحداث، يلجم جموح النظام، ويعبر عن سخطه إزاء المشهد السياسي القاتم، بانيا صرحا من مدلول اسمه لعله ورد مستقبلي يزهر في وجه الأجيال القادمة .

 اختار ” الجنوبي ” في ضوضاء الأحداث الساخنة، و تسارعها، أن يخفض جناح العزة للوطن، و يدير ظهره لكل الفرص التي افترشت على بلاط نضاله للخروج من ” بهية ”   يقول :

            هادئاً..

بعد أن قالَ “لا” للسفينهْ

.. وأحب الوطن!

انتصر ” أمل ” سنة 1983 على فتاوى الاستسلام،  و أسلم الروح لصاحبها في غرفته، التي حملت وسم آخر دواوينه ” أوراق الغرفة 8 ” بعد صراع طويل بين متكافئين – بتعبير الأبنودي – بين الشعر و الموت . 

 مات أمل، و مات معه امل كل المتعاطفين مع القضايا الشعبية، و الفئات المكلومة، و ظلت أشعاره حية فينا، في أصواتنا المجروحة، في أقلامنا المبتورة، في شعاراتنا إزاء الصلح، و نحن نقول بفم ” دنقل ” لا تصالح ..ولو منحوك الذهب .

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
بديل أنفو

مجانى
عرض