رأي

التسلطية في المغرب نمط حكم

ساهمت العديد من الدراسات الأكاديمية في إغناء النقاش السياسي والسوسيولوجي لبنية النظام السياسي المغربي، من خلال تفكيك بنياته، وتعريف العديد من المصطلحات التي تؤثث الحياة السياسية المغربية، وكان في مقدمتها دراسات للأساتذة: ذ/ عابد الجابري- ذ. محمد كسوس – ذ. عبد الله العروي و ذ. محمد الطوزي. وسنتناول بالدرس أحد المفاهيم وهو مفهوم التسلطية.

يقصد بالتسلط و الإخضاع سلب إرادة المواطنين و تجريدهم من المقومات الفردية الطبيعية و هو نمط حكم استبدادي يتميز بكون الذين يطلب إليهم الخضوع له يعترفون به من دون أن يحتاج الأمر إلى إكراه أو إقناع، وهذا ما اعتمده النظام السياسي المغربي من خلال إعادة إنتاج نفس نمط الحكم المرتبط
بالطبقات الكولونيالية التي كانت عميلة للاستعمار و حافظت على امتيازاتها مع المستعمر و مع المؤسسة الملكية. و ذلك بالاعتماد على الاليات التالية :

-1 -تعطيل عمل المؤسسات -2-تعطيل مبدأ التعددية السياسية-3-الانفراد بالقرار، وقد ترتب على ذلك تهميش كل القوى التقدمية المطالبة بدولة الحق و القانون .

آليات تسيير الحقل السياسي و تكريس السلطوية المخزنية

أ-تحكم المؤسسة الملكية سيطرتها على المجال السياسي المغربي بفضل اعتمادها وسيلتين لبسط النفوذ تتمثل الأولى في احتكارها لاستعمال الرموز الدينية، في حين تتجلى الثانية في قدرة أجهزة المخزن على ترجمة المفاهيم التي يتم إنتاجها خارج دائرة النظام من محتواها الصحيح. و جعل الحياة السياسية في خدمتها رغم تنوع الفاعلين .

ب -المكانة السياسية التي يتمتع بها أمير المؤمنين، بما لا يدع مجالا للشك، على الريادة
السياسية للشخص الذي يحمل ذلك اللقب، كما تجعله يفرض نفسه كمرجعية وحيدة لها الحق في إصدار المعاني و المفاهيم

ج–النظام لا يعتمد في تأكيد شرعيته في الحكم على السند الديني لوحده، ذلك أن المخزن يعي حق الوعي أن الإمامة الدينية وحدها لا تضمن له البقاء و الاستمرارية، بل تلزمه بإحاطة نفسه بمؤسسات
سياسية و اقتصادية و اجتماعية قوية.

-ثلاث نماذج للخضوع و السلطوية تستقي مقوماتها من الثقافة السياسية الاسلامية :

1 -نموذج الخلافة
-يحتل حقل تقديم الولاء مكانة مركزية في الاستراتيجية التي يعتمدها النظام المغربي لتأكيد
شرعيته في الحكم و إخضاع رمزي لكل الحقول السياسية

  • البيعة تستمد دلالتها من الشرعية التي كان يتمتع بها الخلفاء الاوائل ) بيعة الرضوان
    و قد اجتهد الفقهاء( الماوردي و ابن خلدون )في إقامة الدليل على وجوب الخلافة على أساس النص و العقل معا فهي قبل كل شيء واجب شرعي و الخضوع للخليفة مسالة شرعية .

2 -نموذج الصوفية علاقة الشيخ بالمريد

-قدرة الولي في التحكم في الناس، ذلك أن الخضوع و الامتثال دون نقاش أو اعتراض يشكلان الركيزتين المحورتين اللتين تقوما عليهما العلاقة بين الشيخ و المريد و هذا ما نستنتجه من خلال الخطب الملكية و قرارات مجلس الوزراء.

3 -نموذج المخزن

شرعية النظام السياسي تقوم على سندين إيديولوجين يعتمد على إعاد ة إنتاج خطاب رسمي انطلاقا من موروث ثقافي، و يشدد على تأويل التشريع الاسلامي فيما يضمن استمرارية علاقات السلطوية و الخضوع.

  • السند الثاني ثقافي يتجلى في الطقوس و التشريفات المعقدة التي يحرص النظام على ان يمتثل لها الجميع على الرغم مما قد تخلقه أحيانا من حساسيات. يقول ميش وبيلير عن المخزن ان مؤسسة المخزن تشكل إحدى السمات البنيوية للمغرب، و قد أكد بان المخزن يرعى الفوضى الاجتماعية ويستغلها لصالحه.

كما يقوم بتاجيج العداءات و الحروب والصراعات بين القبائل ليعزز وظيفته كحكم بينها.

إن النظام يعتمد على مبدأ الأحادية في السلطة و الولاء مستمدا قناعاته من النموذج الالهي الذي يؤكد على الخضوع و الطاعة لله وحده من دون غيره.وطبيعة هذه العلاقة بين الرعية و السلطان تلغي تلقائيا مبدأ التمثيلية و تجعله دون أهمية.

وقد أدت ممارسة النخب السياسية للشأن العام لمدة طويلة إلى تعميق الهوة بين الطبقة الحاكمة و الأجيال الصاعدة، ففي الوقت الراهن نظرا لتقدم هذه النخب في السن ، هناك ما يشبه تخوف من أن تؤدي عمليات وصول عناصر جديدة إلى المناصب التي كانت حكرا على الوجوه القديمة ، إلى زعزعة قواعد اللعبة في البلاد و هذا ما يجعل عملية إخضاع النخب المروضة سهلا. فالمجتمع المغربي مقسم إلى عدة فصائل متضادة، هذه الفصائل تعي حق الوعي انه ليس من مصلحتها الدفع بالنزاعات إلى حد الاصطدام بحيث تجتهد في خلق نوع من التوازن عن طريق رعاية التوتر المستمر . كل هذا سهل على المؤسسة الملكية احتكار صناعة القرار السياسي و الاقتصادي حيث أصبحت المحور و الدينامو الذي يحرك كل عجلات الدولة.

و هذا ما أدى في النهاية إلى الوقوف على معالم حقل سياسي من دون رهانات سياسية حقيقية .


هنا نطرح تساؤلا مهما في سياق ما عرفه العالم العربي من هزات اجتماعية و ثورات أطاحت بالعديد من الانظمة المنغلقة هو :

هل المغرب خرج من التسلطية ؟

إن المتتبع للحياة السياسية و الدستورية المغربية لا يسعه إلا أن يقرأ الفاتحة على الربيع العربي و على تداعياته ، فالمغرب استطاع أن ينجو من انهيار الدولة لكنه استطاع أن يرسخ لثقافة استبدادية مبنية على الاستفراد بالقرار و تهميش الاحزاب السياسية و المجتمع المدني و تحقير كل المبادرات الداعية الى الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية .

حيث أصبحت الملكية –بعدما كانت رمز للاستبداد و الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان –رمز التوافق الوطني، كما أصبحت ترفع سقف مطالب المجتمع أكثر من الاحزاب السياسية معتمدة في ذلك على الذراع الديني المتجلي في إمارة المؤمنين و ترسيخ البيعة و الخضوع ، و الذراع الاقتصادي عن طريق الهولدينغ الاقتصادي الذي يحقق أرباحا خيالية في ظل الازمة الاقتصادية الحالية.


ثالثا الذراع السياسي الذي استطاعت به الملكية إخضاع الامن و الجيش كقنوات رئيسية للهيمنة و التحكم في صناعة القرار الامني و العسكري .

لذلك فالرهان الاساسي للخروج من التسلطية يجب ربطه بدولة المؤسسات و الديمقراطية التشاركية و هناك عامل أخر اعتبره محددا أساسيا و هو رجوع الطبقة المتوسطة لاعادة التوازنات السياسية إلى طبيعتها.

فلحسن حظنا لم تتلطخ يدها بالممارسات الاستبدادية للنظام السياسي ، بل انسحبت منذ 2007 في صمت تنظر و تنتظر الفرصة لاعادة الاعتبار للحياة السياسية النبيلة و تنقية المجتمع من كل الطفيليات التي أصبحت تنخر جسمه.

*باحث في تاريخ الزمن الراهن

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. هذا هو الكلام المعقول والتحليل الموضوعي لواقعنا السياسي…
    فهذه دعوة للأخ حميد المهدوي لكي لا يكرر على مسامعنا أسطوانة احترام المؤسسات ودولة المؤسسات وووووو…
    لا ديمقراطية ولا حرية ولا حقوق مع استمرار المخزن المتسلط، ومع احتكار السلط…
    انشر ولا تحظر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بديل أنفو

مجانى
عرض