رأي

كيف يُنقذ الملك المرحلة؟ -الجزء الأول

الجزء 1 من دراسة تفصيلية في سبعة أجزاء

قبل لقاء الملك محمد السّادس مع الرئيس الأمريكي جورج بوش الإبن في واشنطن في 22 أبريل 2002، أصدر البيت الأبيض بيانا يقول إنّ “الزيارة ستسلّط الضّوء على الصّداقة طويلة الأمد بين الولايات المتحدة والمغرب، وتقوّي شراكتنا الإستراتيجية.” وقتها، سألني أحد الأصدقاء الأمريكيين، وكان مسؤولا رفيع المستوى في وزارة الخارجية، عن رأيي في طبيعة التحوّلات التي ظهرت في الأعوام الثلاثة الأولى من حكم الملك الجديد. فرددتُ بالقول إنّ “هناك تفاؤلا لدى النخبة السّياسية وتوقّعات كبيرة لدى المغاربة لما أظهره الملك من إرادة الإصلاح وتحقيق التنمية.” وأضفتُ عبارة مهمّة، أتأمّلها الآن مليّا بعد مرور قرابة عشرين عاما، أنّ “نجاحه سيتوقّف على مدى التمسّك بتحقيق الانفتاح السياسي، وتجديد منظومة الحكم وأدوات الحكم، وإدارة بعض الملفّات القاتمة.”

كانت واشنطن تعتبر المغرب بلد إصلاحاتٍ واعدةٍ وانفتاحٍ سياسيٍ نموذجيٍ مقارنة مع دول عربية وأفريقية أخرى تبحث عن طريقها نحو النموّ. وبعد عاميْن من اجتماع البيت الأبيض، توصّلت واشنطن والرباط إلى إبرام اتّفاقية التبادل التجاري الحر، أهمّ اتفاقية في تطوّر العلاقات الأمريكية المغربية منذ عام 1777.

كانت نبرةُ الاستبشار بالعهد الجديد متواترةً في أحاديث المغاربة من مختلف الأطياف في الدّاخل والخارج. وانتبهت العواصمُ الأجنبيةُ الكبرى إلى مسارٍ مغايرٍ عن العقود الأربعة السابقة، ومُنفتحٍ على فلسفة المواطنة والتعددية والحرّيات العامة وحقوق المرأة والتنمية. وانشغل عدد من الباحثين في مراكز التفكير المؤثّرة في الولايات المتحدة وأوروبا بدراسة أوجه التغيير في منظومة الحكم الجديد مقارنة بحقبة الرّاحل الحسن الثاني. فكتب ستيفن هيوز في مؤلّفه “المغرب_تحت_حكم_الحسن” يقول إنّ “الملك الجديد، بعد فترة وجيزة من تولّيه السلطة، أثار إعجابَ الكثيرين برغبتِه في الاستماع، واهتمامِه بالتّكنولوجيا المتقدّمة، وطريقتِه المريحة عندما لا يكون مُحاطًا برجال الحاشية، واهتمامِه المتعاطف بتحسين الوضع الاجتماعي للفقراء.”

العهد الجديد في حديث العواصم

دارت بين الأوساط السّياسية والأكاديمية هنا في واشنطن وعواصم غربية أخرى مقارناتٌ متواترةٌ بين مَلِكيْن شابيْن بين غرب وشرق العالم العربي، في بلدين لا تُخزّن أراضيهما ثروة البترول أو الغاز، ولا يشهد ناتجهُما الإجمالي المحلّي معدّلات نموّ مرتفعة قياسا بدول أخرى في الجوار الإقليمي. وخلصت بعض المقارنات إلى أنّ المغرب والأردن مثالان على نظاميْن ذكييْن استخدما بمهارة سلطة “الأمس الأبدي” و”ملَكَة النّعمة الشخصية” للحفاظ على الشّرعية الأساسية لنظاميْ حُكميْهما، وهي مفاهيمُ استنبطها عالمُ الاجتماع الأمريكي شارلز ميلز من دراسته للأعمال الفكرية للمنظّر الألماني ماكس فيبر.

كانت فلسفة الحكم خلال السنوات الثلاث الأولى قائمةً على التعدّدية والتوافق بوجود عبد الرحمان اليوسفي رئيسا للوزراء وقائدا لليسار الاشتراكي في أواخر سنوات أَلَقِه الفكري والسياسي. وكانت أجواءُ القصر حيوية بجدلية مثمرة بين رجال المرحلة التجديدين ورجال المخزن التقليديين، أو من يمكن اعتبارهم إصلاحيين ومحافظين على الطريقة المغربية ولو بشكل غير رسمي، بما يقترب من سجال الطّروحات المتنافسة والرّؤية متعددة الزوايا قبل اتّخاذ القرار. فكانت معركةً خفيةً بين الأجنحة في محاولات التّأثير على قرارات الملك: جناح الانفتاح والمصالحة وتحديث الملكية والاستثمار في رأسمالها السياسي عند الشعب مقابل جناح أصرّ على مواصلة الحكم بنفس أدوات التحكّم وتبريرات الواقعية السياسية.

كان الملك يريد اجتهادات جديدة لمغرب متصالح مع ذاته وماضيه، وتمسّك بحقوق المرأة في مواجهة مظاهرات ودعوات قاومت التغيير، وحاولت استدامة هيمنة التركيبة الباترياركية بتبريرات ثقافية أو دينية. وانعكس هذا الديالكتيك في قرارات غير مسبوقة جسّدت منحى الملك نحو الابتكار في منظومة الحكم، مثل إصلاح مدونة الأسرة، وتأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة التي كانت أوّل تجربة عربية في مجال المصالحة الوطنية وترميم العلاقة بين الدولة والمجتمع، فضلا عن رفضه اقتراحا من بعض المقرّبين بحلّ حزب العدالة والتنمية.

شهدت سمعة المغرب تحسّنًا ملموسًا، وارتفع رأسُماله السياسي والدبلوماسي في منشورات مراكز التفكير المختلفة وتقارير وزارة الخارجية وعدد من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان وقياس مؤشّرات الديمقراطية. وتقول مارينا أوتاوي في دراسة نشرها مركز كارنيغي بعنوان “المغرب: من الإصلاح الهرمي إلى الانتقال الديمقراطي” إنّ “الإصلاح السياسي في العالم العربي يأتي على رأس قائمة أولويات السياسة الخارجية الأميركية، وغالباً ما يُذكَرُ المغرب مثلاً باعتباره بلدا انتقل بنجاح نحو الديمقراطية بقيادة ملك منوَّر.”

لكن بعض الحرس القديم كانوا يحاولون إثارةَ حفيظته وثنْيَه عن الإصلاح وتغيير نسق الحكم بالتّلويح أمامه بمقالات نقدية تناولت حقبة والده الراحل، وسلّطت الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان ومظالم أخرى في العهد القديم. وبدأ من وُصف وقتها ب”الوافد الجديد” في تقليص دائرة تأثير منافسيه على اهتمام أذن الملك، والتّلويح بخطر الإسلاميين، وتبرير إجراءات أخرى بدواعي حماية الملكية. فسعى لاستقطاب أصناف معيّنة من المثقفين والصحفيين وأعضاء الأحزاب اليسارية للترويج لمشروع “حداثة” لم تنجح في المحصلة النهائية في بلورة فلسفة قائمة بذاتها فكريا وسياسيا، بقدر ما قامت على مجرّد فكرة التناقض مع مشروع الإسلاميين. 

بين 2007 و2016، تمّ تسخير مبالغ مهمّة من موارد الدولة في تمويل مشروعيْن سياسييْن متعثّريْن حتى اليوم: “حركة كل الديمقراطيين” و”حزب الأصالة المعاصرة” الذي جاء في المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة. في المقابل، كان الجناح الإصلاحي في القصر يدرك صعوبة تحرير النسق المخزني من منحاه التقليدي والتقليداني بموازاة امتداداته داخل أجهزة الدولة العميقة ووجود مصالح مشتركة بينهما. وكان من أوّل المؤشّرات على تنامي هذه المَخْزَنَة الجديدة Neo-Mekhzenism  قرارُ الاعتماد على شخصيات تكنوقراطية مخلصة لمخزنيتها القديمة الجديدة، وتجاوز فلسفة التناوب، وإنهاء ما كان بمثابة نواة حيوية لجدلية هيغيلية سياسية في محيط الملك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بديل أنفو

مجانى
عرض