رأي

اللامركزية الترابية والنموذج التنموي

إن التنمية مسار شمولي ومتعدد الأبعاد حسب واضعي التقرير. وضمن هذا التصور للامركزية الترابية أدوارا طلائعية باعتبارها آلية لتنزيل المشاريع التنموية على الصعيد المحلي. ولهذا تعد الجماعات الترابية شريكا لا محيد عنه في مجالات التنمية المحلية.

وفق هذا التصور، يفترض أن تحتل الجماعات ومفهوم اللامركزية الترابية مكانة محورية في التقرير الخاص بالنموذج التنموي الجديد، إلا أن التقرير، الذي جاء في 152 صفحة، لم يمنح للجماعات أي دور في تنزيل التوصيات التي تضمنها، ولم ينص عليها كرافعة للتنمية؛ رغم أن الجماعات شريك لا محيد عنه من أجل “تحرير الطاقات” و”استعادة الثقة”، وتحقيق الرفاهيــــة، وهي شعارات رفعها التقرير عاليا.

كيف يمكن التشبت بالاختيار الديمقراطي ودولة الحق والقانون، كخيار استراتيجي للمغرب، بمعزل عن الجماعات الترابية؟ وكيف السبيل إلى تعزيز مشاركة المواطنين كركيزة للديمقراطية التمثيلية والتشاركية (الصفحة 67) بمعزل عن اللامركزية الترابية؟

ضمن اختيارات توجه المغرب نحو المستقبل، نص التقرير أيضا على ضرورة التشبت بالمساواة بين الرجل والمرأة وبتكريس مكانة المرأة ودورها في الاقتصاد وفي المجتمع (الصفحة 47)، وفي كل مجال من هذه المجالات بإمكان منظومة اللامركزية الترابية أن تساهم مساهمة فعالة.

بيد أن للجماعات الترابية حضور باهت وخافت في التقرير، فحينما تحدث التقرير عن المعيقات والكوابح التي تقف في وجه التنمية، كان يفترض من واضعيه التطرق إلى ما تواجهه الجماعات من معيقات، وتقديم الحلول المقترحة لذلك.

لقد جرى تهميش الجماعات عن قصد، فمصطلح اللامركزية لم يرد في التقرير سوى خمس مرات، وفقط مقرونا باللاتمركز الإداري، وذلك في الصفحة 32، إذ جاء في سياق التقرير ما يلي “بطء مسار اللامركزية واللاتمركز”، ومرة أخرى في الصفحة 58 إذ نص على “وبالإضافة إلى تسريع الإصلاحات ذات الصلة باللاتمركز واللامركزية”؛ ثم في الصفحة 85 بمناسبة الحديث عن مجال لا علاقة له باللامركزية الترابية، وإنما بـ “لامركزية في الإنتاج” وذلك في سياق الحديث عن توفير طاقة كهربائية بأسعار تنافسية. والمرة الأخيرة التي ذكرت فيها اللامركزية جاءت في الصفحة 120 بشكل مبثور في سياق الحديث اللامركزية الإدارية، وليست الترابية.

أما مصطلح الجماعات فقد ذكر 18 مرة، لكن بشكل عرضي وأثناء الحديث عن الشراكة قطاع عام-قطاع خاص. أما بخصوص مصطلح الجهة فالتقرير لم يشر إليه باعتباره من مستويات اللامركزية سوى في خمسة مواطن، بشكل عابر، في الصفحات 27 و54 و86 و118 و119.

التقرير لم يذهب في اتجاه منح للجماعات الترابية مكانة مهمة في “النموذج التنموي الجديد”، بل على العكس من ذلك، ذهب في اتجاه تقزيم أدوارها، وإن ولم يعلن عن ذلك بشكل واضح صريح. يستشف ذلك حينما أوصى التقرير مثلا بإحداث إدارة خاصة مكلفة بالشؤون الجهوية (الصفحة 118)، ضاربا عرض الحائط مؤسسة الجهة؛ أو من خلال التركيز على محورية دور العمال والولاة كلما تحدث التقرير عن القرب والمجالات الترابية.

وضمن المحاور الاستراتيجية للتحول (الصفحة 69)، لم يدمج واضعي التقرير الجماعات الترابية ضمن المحور الاستراتيجي الرابع الخاص بالمجالات الترابية وتعزيز مكانتها في صلب العملية التنموية. لماذا هذا التهميش؟

إن التقرير جاء بلمسة نيوليبرالية، وتهميش الجماعات الترابية جاء في سياق المرمى البعيد الذي يصبو إليه النموذج التنموي الجديد، ألا وهو التقليص من القطاع العام في حدوده الدنيا، قصد التقليص من الإنفاق العمومي.

لقد وجه التقرير انتقادات لاذعة للقطاع العمومي بخصوص آليات وضع السياسات العمومية، وتنفيذها (البيروقراطية وتعقيد المساطر، ضعف في التشخيص، عدم ضبط التكاليف، ضعف مشاركة الفاعلين العموميين والخواص، غياب المسائلة، إلخ.).

في مقابل التقليص من أدوار القطاع العام، منح التقرير دورا أكبر للقطاع الخاص في تفعيل الأهداف التي سطرها في أفق سنة 2035، كما نادى بتشجيع القطاع الثالث، الذي يقوم بأنشطة اقتصادية ذات بعد اجتماعي، من أجل تغطية الفراغ الذي سيتركه القطاع العام.

إن تقدم المغرب رهين بتوفره على قطاع عام، يحترم مبادئ الحكامة (الشفافية، النجاعة، المسؤولية، المحاسبة، إلخ.)، ويقوم على أساسها. إن الرهان على القطاع الخاص بمفرده، هو حصان خاسر، لن يساعد المغرب في بلوغ مصاف الدول المتقدمة سنة 2035. القطاع الخاص في حاجة لقطاع عام قوي وفعال حتى يكتسب القدرة التنافسية على الصعيد الدولي، والجماعات الترابية تمثل قطب الرحى في هذه العملية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بديل أنفو

مجانى
عرض