زاوية للرأي

الدبلوماسية الجزائرية… هل يُصلح لعمامرة ما أفسده بوتفليقة؟

ناصر جابي: كاتب جزائري

هذا ما يوحي به الأثر الإعلامي الإيجابي الذي تركته زيارات وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة إلى بعض الدول الافريقية والعربية في المدة الأخيرة. زار خلالها إثيوبيا والسودان ومصر، وانتقل إلى تونس لأكثر من مرة خلال مدة قصيرة، للتباحث حول الأزمات المستعصية التي تعيشها المنطقة.


زيارات تعاطت معها الصحافة الدولية باهتمام واضح، كدليل على عودة ممكنة للدبلوماسية الجزائرية الغائبة لسنوات، حتى عندما كان يتعلق الأمر بملفات إقليمية حساسة ومؤثرة بشكل مباشر، على أمن واستقرار البلد، جعل الدبلوماسية الجزائرية، تعيش حالة دفاعية مميتة لمدة طويلة، غابت خلالها على المستوى الدولي لصالح قوى إقليمية ودولية منافسة، هي التي كانت حاضرة ومؤثرة منذ الاستقلال.


غياب تسبب في جزء كبير منه، بوتفليقة كرئيس، سيطر لمدة عقدين كاملين، على مقاليد السلطة، فرض خلالها دبلوماسية عرجاء على البلد، حتى عندما تعلق الأمر بملفات إقليمية، تمس أمن واستقرار الجزائر مباشرة، كما هو الحال مع أزمات المحيط المغاربي والافريقي القريب، في ليبيا ودول الساحل. وضع لا يمكن تفسيره الا بالعُقد من كل نوع، التي كان كانت حاضرة عند بوتفليقة الرئيس (1999-2019) ووزير الخارجية الأسبق (1963-1978) الذي غادر السلطة وهو مقتنع بأن الجزائر لا يمكن أن تنجب وزيرا للخارجية مثله، فكان أن عادى وتحرش بكل وزير خارجية يعينه بنفسه، يُشوش على عمله ولا يتركه يتصرف بحرية بألف طريقة وطريقة، وصلت إلى حد تعيين أكثر من شخص واحد على مستوى وزارة الخارجية، ناهيك من تعيين طاقم كامل برئاسة الجمهورية، من الموالين، للتشويش على عمل الوزير والوزارة، التي كانت وما زالت تزخر بالكثير من الكفاءات تم تعطيلها بشتى الطرق، كما تعبر عنها حالة لعمامرة نفسه الذي اكتسب تجربة دولية عبر العالم، في أكثر من مؤسسة إقليمية ودولية، سمحت للرجل بكسب علاقات شخصية مباشرة لم تكن دائما حاضرة لدى إطارات الخارجية، نتيجة هذه السياسة الرسمية التي طبقها بوتفليقة لمدة طويلة، وهو على رأس السلطة، سياسة عانى منها وزير الخارجية لعمامرة، العائد لوزارة الخارجية هذه الأيام، حين عين له وزير خارجية منافسا في الوقت نفسه على رأس الخارجية -2017- لتعيش الدبلوماسية الجزائرية حالة شاذة لم يعرفها أي بلد في العالم.

دبلوماسية برأسين اثنين، علما أن بوتفليقة عاد إلى الحكم في 1999 بناء على السمعة التي سوّقها عن نفسه كدبلوماسي محنك، عاد لإنقاذ النظام السياسي الجزائري ورجاله من براثن المحاكم الدولية، بعد ورطة الحرب الأهلية. فهل الذي أفسده بوتفليقة الفرد، كفيل بأن يصلحه لعمامرة الفرد؟ سيكون من الصعب التعويل على فرد واحد عندما يتعلق الأمر بالإصلاح، عكس الإفساد وخلق الفوضى داخل مؤسسة حساسة وهشة مثل الدبلوماسية، مهما كانت صفات وقدرات الشخص، رغم أن الحالة الجزائرية تبين أن الفرد مهم ويمكن أن يلعب أدوار محددة في الاتجاه الإيجابي، حتى على حساب المؤسسة، إذا كان مسنودا بإجماع شعبي ومؤسساتي، في هذا الظرف الصعب الذي تعيشه الجزائر داخل محيطها الإقليمي المضطرب، يمكن أن تنتقل فيه من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، بعد التجديد الضروري في العقيدة الدبلوماسية، بالنسبة لنظام سياسي في حاجة لاستعادة المبادرة الدبلوماسية إقليميا ودوليا، من دون التنكر لقيمه وقناعات شعبه بالإجماع الحاصل حولها. عمل يمكن الانطلاق فيه من العلاقات المغاربية نفسها بالذهاب إلى إيجاد الحلول الذكية والمستقبلية لمسألة العلاقات مع المغرب، التي يمكن أن تعيش تطورات إيجابية حتى مع استمرار قضية الصحراء مطروحة على المستوى الأممي، كما كان حاصلا خلال فترة حكم الرئيس بن جديد، حتى لو تطلب الأمر اتخاذ إجراءات جريئة في اتجاه العلاقات مع المغرب، على غرار تنظيم زيارة إلى هذا البلد الشقيق – لما لا؟ يمكن أن تكون انطلاقة – رجة جديدة يلعب فيها وزير الخارجي الجزائري بحنكته وعلاقاته الدور الأساسي، رغم كل المؤشرات التي تقول العكس، بعد الخرجة المغربية الغريبة، وغير المقبولة حول استقلال منطقة القبائل، والاستقبال السيء الذي بادر به الإعلام المغربي لعودة الوزير الجزائري. فالرجل يكون قد أفسد على الدبلوماسية المغربية حساباتها، هي التي تعودت على غياب الجزائر لمدة طويلة.

وزير يمكن أن يساهم بتجربته، هو والجيل الأصغر منه من الإطارات الدبلوماسية الشابة، في إخراج النظام السياسي الجزائري من “تصلبه العقائدي” الذي يبدو غريبا للكثير من الأطراف على المستوى الدولي، وهو يتمظهر على شكل مبالغة في التشبث بالمبادئ، على حساب المواقف البراغماتية الأكثر حضورا في العلاقات، بين الدول والأمم، جعلت الدبلوماسية الجزائرية تظهر “ساذجة” ومن دون رهانات فعلية، تكتفي بتكرار المبادئ والقناعات التي لم تعد حاضرة عالميا بين الفاعلين الدبلوماسيين.

وزير هو ومحيطه المهني من الأجيال الشابة للدبلوماسية الجزائرية، التي عرفت تجديدا كبيرا، يمكن أن يساهم في إخراج الخطاب السياسي – الإعلامي الرسمي من “حالة التشنج “التي يظهر عليها، نحو آفاق أرحب لم يعد مفيدا بالنسبة لصورة الجزائر الخارجية.. تم فيه تضخيم الشعور بالحصار والعداوة من كل المحيط الخارجي، كما يعكسه إعلام غير متخصص وغير ملم بالملفات الدولية.. لا يراعي أن الجزائر قادرة على العودة القوية للعب أدوار مهمة ضمن محيطها المباشر وحتى خارجه، كما حصل أكثر من مرة عندما تعرف كيف تستغل إمكانيات دبلوماسيتها، كما كان الحال مع تجربة محمد الصديق بن يحيى، الذي كلفته هذه الأدوار حياته، وهو يتوسط في الحرب العراقية – الإيرانية. كما كلفت لعمامرة التهميش والإبعاد، بعد أن اقترب كثيرا من مراكز القرار، وهي تعيش حالة اضطراب في الأيام الأخيرة من حكم بوتفليقة، نُسبت فيها طموحات سياسية كبيرة للرجل، عكس ما هو معروف عن هذا البيروقراطي ابن مؤسسة الخارجية، التي لا يُعرف عن رجالها – نسائها كذلك، بعد التأنيث الكبير التي تعرفه – طموحات خارج ميدان حرفتهم، ليتم تعيينه لأيام فقط -20 يوما ـ نائب وزير أول ووزير خارجية في ربيع 2019 و ـ قبلها 24 يوما أخرى – وزيرا للخارجية في الفترة المضطربة نفسها – ليتم إبعاده لغاية هذه العودة الأخيرة مع الرئيس تبون. فهل سيترك الرجل يشتغل على ملفاته؟ وهل سيجد الوقت والدعم المطلوب من مراكز القرار المختلفة في منصبه، الذي يتطلب الاستقرار وتثمين علاقات الرجل وخبرته الدولية؟ أم أن الوقت سيكون عدوه الأساسي، كما كان مع الكثير من الوزراء الذين غادروا مناصبهم حتى إن استمر الرئيس في موقعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بديل أنفو

مجانى
عرض