زاوية للرأي

لماذا لم يعد جدي من الريف؟

  • جمال الكتابي

مقدمة:

تحت هذا العنوان نشرت جريدة الفارو FARO de VIGO التابعة لجهة غاليسيا الإسبانية، الصادرة أواسط ماي 2021، مقالا بمناسبة مئوية أنوال. المثير للانتباه في هذا المقال، رغم ما يعكسه هذا العنوان من ألم ومحنة مشتركة، هو تشبيه ما وقع بأنوال ( الريف) ب”فيتنام الاسبانية”. وهذا الاعتراف يأتي من طرف صحفي وكاتب رأي معروف ( سالفادور رودريغيز) يشتغل مع عدة جرائد إسبانية جهوية ووطنية من بينها البايس.

المقال يحاول التركيز أكثر على إسهام جهة غالسيا في الحرب والضحايا من جنودها الذين قضوا في حرب الريف. كما يذكرنا المقال بستة شخصيات عسكرية، على الأقل، منتمية لغاليسيا كان لها دور في صنع هذه الحرب، أمثال: الجنرال فرانسيسكو فرانكو، وخمسة ضباط آخرين يرجع لهم الفضل في تأسيس اللفيف الأجنبي في 20 يناير 1920، من بينهم الكولونيل ‘ميلان أسترا’. ولم ينس ثلاث صحفيين من نفس المنطقة، يرجع لهم الفضل في تغطية جبهات الحرب وخاصة الجبهة الشرقية خلال حرب الريف، وكذا اسم طبيب جراح رافق القوات الإسبانية وتمكن من إسعاف حتى بعض الثوار. كما أسعف لاحقا مقاتلي الجمهوريين خلال الحرب الأهلية الإسبانية. وبفضل تقارير هؤلاء المراسلين استطاع الباحث الغاليسي Dionisio Pereira من نشر كتاب سنة 2016 حول إسهام منطقة غاليسيا في حرب الريف. الكتاب معزز بصور من عدسة هؤلاء المراسلين قبل 100 سنة.

السؤال من قبيل لماذا لم يعد جدي من الريف أو لماذا لم يعد جدي من الحرب سؤال يشغل بال الاجيال من كلتا الضفتين. فحسب تقرير الجنيرال ‘خوان بيكاسو” الذي تم تكليفه بالتحقيق في “كارثة أنوال” سقط ألف مقاتل ريفي خلال خلال شهر من المعارك من بينها أنوال، هذا دون احتساب المجندين الريفيين والمغاربة عموما الذي وصل عددهم إلى 2390 قتيل حسب نفس التحقيق. أما مجموع ضحايا هذه الحرب فوصلت مئات الآلاف في كلا الجانبين.

الريف فيتنام الاسبانية:

مسألة نقل الجنود وجنود الاحتياط نحو حرب الريف عبر البواخر المنطلقة من ميناء ‘فيغو’ كانت لحظة قاسية جدا على سكان هذه المنطقة المطلة على الأطلسي شمال البرتغال. هذه المشاهد أعادت إلى أذهانهم اللحظات الأليمة التي عاشوها عندما كانت نفس البواخر ( بواخر الموت حسب الكاتب) تفرغ القتلى، في نفس الميناء، سقطوا في حرب كوبا. مما دفع السكان للاحتشاد بالالاف في ميناء فيغو لتوديع احبتهم، وحدسهم كان في محله.

سقط عشرات الالاف من الجنود الاسبان في حرب الريف، من بينهم أكثر من 5 آلاف من جهة غاليسيا وحدها. الكثير منهم دفن في قبور مجهولة بالريف. هذه الحرب أدت إلى كارثة أنوال حيث تم إبادة أكثر من 11 ألف جندي اسباني، وهم يتساءلون ما الذي كانوا يفعلونه هناك بحق الجحيم؟ حسب الكاتب.

ما يمكن وصفه بـسيناريو “فيتنام الإسبانية” بدأ يتشكل منذ اللحظة التي فقدت فيها إسبانيا آخر مستعمراتها ما وراء البحار، كوبا والفلبين، بينما توزيع الغنائم في القارة الأفريقية كان يجري على قدم وساق بين بعض القوى الأوروبية. لا يوجد قصور عند الأشخاص الذين قالوا بأن مستقبل “الإمبراطورية” الإسبانية يوجد في إفريقيا، وأن محاولة الحفاظ على “الجيب الأمريكي الجنوبي” خطأ، لكن الحقيقة هي أن إنضمام إسبانيا إلى “فريق تقسيم افريقيا” كان متأخرا عن موعد سحب القرعة. ففي نوفمبر 1912 تم التوقيع على اتفاقية تتنازل بموجبها فرنسا للعرش الإسباني (ألفونسو الثالث عشر) عن سيادة جزء من المملكة المغربية، وهي منطقة شمالية تسمى الريف. ‘مضيق’ جبلي في قبضة قبائل على أهبة الحرب، حيث سرعان ما ادركت القوات الاسبانية خاصة أنها وطأت قدميها في الجحيم نفسه، أو أكثر، الذي ما انفكت منه في امريكا الوسطى والجنوبية. حسب الكاتب.

ومع ذلك، ففي وقت مبكر من عام 1910، وفقًا للمؤرخ ‘خوان كارلوس سييرا فريري’، تم إرسال حامية عسكرية من منطقة أورينس ( Ourense) التابعة لجهة غاليسيا، إلى مليلية للحد من هجمات القبائل الريفية (ثورة الشريف أمزيان)، التي ستتحد لاحقا حول الشخصية الاسطورية: عبد الكريم. كانت أول فرقة من الشباب في سن التجنيد يتم تكليفهم بالريف. ومنذ ذلك الحين، سارت الأمور من سيء إلى أسوأ، الأمر اقتصر في البداية على الجنود المحترفين، لكن بعد كارثة أنوال شمل “جنود الاحتياط”. هؤلاء كانوا وجبة سهلة لمقاتلي الريف المتمرسين على فنون القتال. الأمر يشبه عن حق بمقبرة فيتنام، حسب الكاتب.

كارثة أنوال والهروب من الجندية:

سرعان ما اقترن الذهاب للقتال بالريف بنسبة عالية من عدم العودة حيا الى الوطن. هذا السبب كان كافيا لدفع عدد مهم من الشباب الغالسكي ( gallegos) للفرار والهجرة (بدافع الخوف) إلى أمريكا، كما بحث آخرون عن عذر مقبول لعدم الذهاب إلى الريف (بما في ذلك رشوة للحصول على الشهادات الطبية تثبت عجزهم الصحي أو تدخل جهات عسكرية وسياسية نافذة). كما يحدث دائمًا تقريبًا في مثل هذه الحالات، وكان أبناء الأغنياء هم من هربوا في الغالب من أداء الخدمة العسكرية، يقول الكاتب.

منذ عام 1911، وحتى قبل أن تتنازل فرنسا عن أراضيها ( الريف) لإسبانيا، بدأت الصحافة في نشر أسماء ضحايا تلك المذابح، ولم تتوقف من تدفقها حتى عام 1927، حيث انقلب الرأي العام ضد بقاء اسبانيا في تلك المناطق.

”كارثة أنوال’ معروفة بالهزيمة المدوية للجيش الإسباني في معركة (أو بالأحرى معارك متلاحقة) وقعت دون توقف بين 21 يوليوز و9 أغسطس 1921 في بلدة أنوال ونواحيها، بالقرب من مدينة مليلية المتمتعة بالحكم الذاتي. أدت نتائجها المأساوية على الجانب الإسباني إلى أزمة سياسية قوضت الملكية وكانت أحد الأسباب الرئيسية لانقلاب ميغيل بريمو دي ريفيرا. من ناحية أخرى فجيشنا كان مهيئا بشكل سيئ وعفى عليه الزمن لدرجة أنه لم يكن قادرًا على مواجهة بعض المتمردين، وهم أقل عددا وعدة: مسلحين بالبنادق العتيقة والسيوف والرماح والسهام حسب المؤسسة العسكرية الاسبانية. وعلى الرغم من أنها( المؤسسة العسكرية الاسبانية) على علم بهذه المعطيات بشكل جيد لكن تم سحقهم من طرف مقاتلي الريف، واستمرت الحرب لمدة ست سنوات أخرى وانتهت بانتصار إسباني باهظ الثمن حافظ على سيادة إسبانيا على أرض الريف حتى عام 1956.

مزيدا من قوارب الموت نحو الريف:

الحرب كانت قاسية والعار كان أقسى منه مما دفع بالقيادة العسكرية الى وضع كل ‘اللحوم’ على المشواة، وتمت إبادة فرق بكاملها. التجنيد الاجباري فرض عين على الجميع والكلمة الأخيرة للبنادق حسب القيادة الاسبانية.
فمن ميناء فيغو أبحرت المزيد من البواخر حاملة جنود الاحتياط متوجهة إلى حرب الريف. يقول أحد الصحفيين
فرانسيسكو دياز غيريرو: أصبح ميناء ‘فيغو’ نقطة انطلاق آلاف من الشباب الغالسكيين الذين كان ينتظرهم مستقبل أسود في وجهتهم. الصورة التي عاشها شعب فيغو مع العائدين إلى المدينة على “سفن الموت” التي وصلت من كوبا مكتظة بالجثث او قوات اصابها الوهن تحتضر، ضحايا المعركة غير المتكافئة ضد القوات الأمريكية، أعاد إلى اذهان سكان فيغو مرة أخرى المشاهد المثيرة للشفقة التي لم يرغبوا في إحيائها مرة أخرى حيث رأوا الآلاف من الشباب الغالسكيين يغادرون في رحلات عسكرية وسط صيحات من قبيل: فداء للوطن.

كما لو أن هذا الموت لم يكن كافيًا، ونحن نتابع الصحفي الراحل ‘دياز غيريرو’ في وصف إحدى تلك الرحلات إلى الريف: “كانت الظروف التي سافر فيها الجنود غير إنسانية تمامًا؛ انطلقت السفينة وحمولتها تتسع بالكاد لبعض المئات من الأشخاص، مزدحمة بأكثر من ألف شخص سيضطرون إلى قضاء ثلاثة أيام من الإبحار إلى قادس ثم سبتة، يتقاسمون المساحة مع الماشية التي تم شحنها والبضائع (خبز، خضر، زيت..) التي تبرع بها رجال الأعمال في المنطقة. الماشية يتم نحرها لتهيئ وجبات للجنود.

حرب الريف كانت هي التي بنى عليها فرانسيسكو فرانكو وأمثاله أمجادهم وهيبتهم العسكرية، بينما لم يكونوا حاضرين في أنوال على حد علمي، يقول صاحب المقال.
قليلون هم الذين يجسدون شخصية عسكريين حقيقية مثل ‘ماريانو كوميز أولا’. Ola هذا الطبيب العسكري الذي استعمل سيارات الإسعاف في مناطق الريف الجبلية، التابعة للفرقة الاستكشافية الأولى تم إرسالها إلى الريف (فوج سيرينولا) ، وهي الوحدة المسؤولة عن تنفيذ ما يسمى نظريًا بـ “الاختراق السلمي” للريف، ومن خلال تجربته هاته إلى يناير 1911، وهو لم يكن يتجاوز 30 عامًا من عمره بعد، اكتشف أن شمال المغرب “جحيم”.

عند عودته إلى إسبانيا، تم تكليفه بإدارة المستشفى في كارابانشيل، أحد أحياء مدريد حيث قام بعمل إنساني عظيم.
عاد إلى الريف في عام 1921، وعين استشاريًا جراحًا ومديرًا لخدمات الجراحة بالجيش الإسباني للعمليات ومستشفيات الإخلاء، وهو المنصب الذي سيحتفظ به بعد ترقيته إلى رتبة عقيد في مارس 1928. اشتغل في البداية في تنسيق إخلاء الجرحى، كما كان مشرفا على تنظيم الرعاية الصحية في عملية انزال الحسيمة وتنسيق أعمال المستشفيات العائمة. الطبيب الغاليسي أشرف واعتنى بمرؤوسيه المصابين وكذا بعض المصابين من الثوار.
كما قام بتنظيم مستشفى جراحي متنقل على ظهر البغال وكذا “مجموعات جراحية مرافقة” قادرة على إجراء عمليات قريبة جدًا من الجبهة.
أخيرا، الكاتب يتحدث عن ثلاث مراسلين، يصفهم بمراسلي العصر، من منطقة غاليسيا تمكنوا من تغطية حرب الريف وهم:
Xosé Ramón Fernández Oxea (Ben Cho Shey)، Valentín Paz Andrade et Manuel Mesejo; Campos de Cunt.
بفضل عمل هؤلاء المراسلين الثلاث استطاع الرأي العام في هذه الجهة وجهات أخرى من إسبانيا بمتابعة تطورات الحرب، وكما تمكن الباحث الغاليسكي Dionisio Pereira من تأليف كتاب في سنة 1916 يتحدث فيه بكل التفاصيل عن إسهام منطقة غالسية في حرب الريف اعتمادا على نفس التقارير. سبق لهذا الأخير أن زار الريف قبل اربع سنوات التقى خلالها بباحثين ومهتمين..

الخاتمة:

مناسبة إحياء مئوية أنوال سمحت بظهور عشرات المقالات على صفحات الجرائد والمجلات الاسبانية تتناول الحرب وما ترتب عنها، هذا بالإضافة إلى إصدارات وأبحاث مختلفة لباحثين إسبان. فقط هذه الكتابات لم تولي اهتماما خاصا للقضايا العالقة التي نتجت عن هذه الحرب: السلاح الكيماوي، انصاف المنطقة، إعادة الاعتبار للذاكرة، وبدون شك ستكون مناسبة كذلك للترحم على الاحبة من كلا الجانبين.

وتبقى الكتابة والابحاث حول حرب الريف من جهة الباحثين الإسبان حديثة العهد وخاصة أن بعض الارشيف تم وضعه للعموم فقط بعد موت فرانكو، على سبيل المثال منعه الاطلاع على التحقيق الذي أنجزه الجنرال ‘خوان بيكاسو’ حول ” كارثة أنوال” الذي صدر في 2433 صفحة ( زمان العدد 97). بل أن مدير الأرشيف الوطني المغربي ( جامع بيضا) صرح بما يفيد أن فرنسا رفضت تسليم الأرشيف المتعلق بعبد الكريم (Zaman 128). وهذا الرفض يطرح أكثر من تساؤل وخاصة أن فرنسا استعملت أسلحة فتاكة ومحرمة دوليا. بل ليس من الصدف أن يلتزم الجانب الرسمي في فرنسا وإسبانيا والمغرب الصمت رغم قيمة الحدث.

جمال الكتابي
حقوقي ومهتم بتاريخ الريف
أمستردام 16 غشت 2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بديل أنفو

مجانى
عرض