الزربية “الواوزكيتية”..ملحمة نسائية وثورية

-بديل أنفو
2021-03-18T00:11:04+01:00
البديل الثقافي
-بديل أنفو18 مارس 2021
الزربية “الواوزكيتية”..ملحمة نسائية وثورية

عادل أوعزيز

تقع قبائل أيت واوزكيت بنقطة التقاء سلاسل جبال الأطلس الثلاثة، كمجموعة اتحادية من القبائل الأمازيغية، وتحتل موقعا جغرافيا مهما يلتقي في خضمها كذلك عادات وثقافات وفنون عديدة.


من بين إحدى الفنون التي تشتهر بها هذه القبائل: صناعة ونسج الزرابي كفن مشترك يحاكي الحياة بكل ألوانها.


لما الزربية الواوزكيتية؟ ما الذي يضفي عليها هذه القيمة الجمالية؟ ما مكانة المرأة النساجة بين خيوط صوف تحبكها ؟ أي باعث يجعل من المرأة الواوزكيتية تمارس عملية النسج؟


تعبر الزربية الواوزكيتية عن فن نسائي يقظ وعن ذروة عصر نابض، فهذه الزربية لم تنسحق أو تختنق تحت ثقل عقيدة أو فكر محدد، لقد أحست المرأة الواوزكيتية بالزربية و أرادتها أداة إرشاد  ملزم أو تعبيرا حرا لأمل ثوري مجنون، تارة من ناحية استمرارها الباعث على الإطمئنان و طورا من ناحية الإنفصال المفاجئ عن كل عمل ذكوري. فاتخذت على التوالي شكلا ثوريا يجعلنا ننسى مضمونها المحافظ ، ذلك المضمون الثوري بقدر ما يبقى شكلها تقليديا.


تمتح الزربية  ألوانها من مستخلصات الأشجار والنباتات كالزعفران، الحناء، جذور الأشجار، أوراق الأعشاب، قشور الرمان، أنواع من المعادن وغيرها من المواد الطبيعية. فلكل لون معنى معين، فقد يرمز اللون الأبيض للصفاء الروحي واللون الأزرق دلالة على الحكمة والأخضر كلون للسلام. بهذه الألوان تحبك قصة لها قراءات مختلفة برموز هندسية كالمثلث والمعين والمستطيل، ورموز أخرى تدل على الهوية الثقافية: حرف الزاي الأمازيغي و رمز تاخلالت. بل الأنكى والأشد أن الزربية كلغة وبهذه التمثلات التي تسقطها المرأة عليها يعكس حتى حالتها السيكولوجية و آمالها ومواقفها. وتختلف كل زربية من قبيلة إلى أخرى لتعكس وعي الإنسان الأمازيغي وقيمته الفنية والأنتروبولوجية.

IMG 20210306 WA0004 - موقع بديل


إن الجمال الفني كمعطى ملموس موضوعه الحواس، ذو طبيعة حسية مادية. و إذاكان نتاجا لتحويل الإنسان للطبيعة فإن المرأة النساجة ليس لها خيار في علاقتها مع الطبيعة إلا تحويل الطبيعة، في عملية إنتاج لقيم مختلفة بما فيها القيم الجمالية، وبتعبير المعلم الأول أرسطو ؛ الفن كمفعول لإعادة تصنيع الطبيعة بواسطة اليد، فهي الوسيط بين الإنسان والطبيعة. لتدرك المرأة نفسها كذات تنتج.


إذا كانت العبقرية بالمفهوم الكانطي موجها حقيقيا للفن بصنع قواعد جديدة، و إحداث قطيعة مع الفنون الأخرى، فإن أكثر ما يمكن قوله عن المرأة الواوزكيتية أنها عبقرية، كأصالة تستمد قواعدها من ذاتها، كهبة طبيعية، لتخلق لنا بيدها وبخيالها عبر وسائل بسيطة وبمواد طبيعية عالما من وحيها الخاص، ليعبر عن أفق يحمل حياة من طراز أصيل رفيع.


من بين الدوافع الأساسية التي تدفع بهذه المرأة للنسج والحياكة هو التخلص من رتابة الحياة، ورغبتها الملحة في مشاركة فعلية في الحياة الإجتماعية والإقتصادية بأناملها الرشيقة، السريعة، الواثقة، المتيقظة.


الآن، بدأت تنطفأ وتتراجع القيمة الجمالية والفنية للزربية أمام خصخصة الأفكار وتسليعها وتغليفها، ضمن مرجعية السوق التنافسية القائمة على قوانين العرض والطلب، وأصبحت المرأة تنسج وفق متطلبات ثقافة السوق لتجرد الزربية من كل ما هو عنصر طبيعي، بدءا من الإعتماد على الصباغة بالألوان الكيماوية، ثم تجريد هذا العمل الفني من رهافة الإحساس الأنثوي وآماله وتعبيراته و أبعاده الإنسانية إلى بضاعة يتم تشكيلها وتبضيعها وتسويقها. بالرغم من ذلك كله لازالت المرأة الواوزكيتية متشبتة باستماتة بحسها النضالي للدفع بهذا الرأسمال الرمزي وسط بوثقة اقتصاد السوق.

*طالب بالمعهد العالي للصحافة و الإعلام مجاز في الفلسفة

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك.
موافق
بديل أنفو

مجانى
عرض